الشيخ عبد الغني النابلسي
71
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
عليه السلام في قوله هذا المذكور كصورة إبراهيم الخليل عليه السلام في قوله طالبا عين اليقين بعد علم اليقين رب ، أي رب أَرِنِي ، أي اكشف لي معاينة كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى [ البقرة : 260 ] ، ولهذا ذكرت قصة إبراهيم عليه السلام متصلة بقصة العزير عليه السلام حتى كأنها قصة واحدة ، ولما كان ابن زكريا عليه السلام في مقام معاينة ذلك من نفسه سماه اللّه تعالى يحيى ، ولم يجعل له من قبل سميا ، وكان يحيي دائما بالحياة الإلهية عن كشف وشهود ، قال تعالى : يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ( 7 ) [ مريم : 7 ] ، وقد ألبسه اللّه تعالى خلعة هذا الاسم الخاص به مثل خصوصية اسم اللّه به تعالى كما قال سبحانه : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [ مريم : 65 ] ، أي تعلم أحدا يسمي اللّه غيره تعالى ، فقد نال هذا المقام يحيى عليه السلام من غير طلب بل من باب الاختصاص والمنة . وقد طلب العزير وإبراهيم عليهما السلام لينالاه من باب الكسب فوصل إليه العزير في نفسه وإبراهيم عليه السلام في الطيور الأربعة ، ولا بد فيه من شهود مثال يظهر فيه ، ولهذا قتل يحيى عليه السلام وقطع رأسه ليتحقق في مثال نفسه على وجه الشهادة ، فإن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون . ولما كان له هذا المقام لا من باب الكسب فكان هو المطلوب له لا الطالب وهو مستمر له ، لأنه يحيي بصيغة المضارع الشامل للحال والاستقبال كان هو الذي يذبح الموت في صورة كبش يوم القيامة بين الجنة والنار بعد عرضه على أهل الجنة وأهل النار كما ورد في الخبر الصحيح ، وسيأتي في الحكمة اليحيوية مشرب غير هذا من حضرة أخرى إلهية . ويقتضي ذلك ، أي قوله في سؤاله : رَبِّ أَرِنِي إلى آخره الجواب عن السؤال بالفعل لا بالقول ، فإن القول يوصل إلى علم اليقين وهو موجود فيه عليه السلام ، ولا يوصل إلى عين اليقين ، لا الفعل الذي أظهره الحق تعالى فيه ، أي في العزير عليه السلام في قوله تعالى فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ليرى ما سأل عنه ويعاينه ثُمَّ بَعَثَهُ ، أي أحياه اللّه تعالى فقال له سبحانه بأن أوحى إليه بذلك قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ ، أي عظام حمارك كَيْفَ نُنْشِزُها ، أي نرفعها ونضم بعضها إلى بعض ثُمَّ نَكْسُوها ، أي تلك العظام بأن ننبت لها منها عليها لَحْماً كما كانت من قبل فعاين كيف تنبت الأجسام والعظام معاينة تحقيق فلما تبين له قال : أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ البقرة : 259 ] ، أي أنا أعلم علم يقين من قبل بذلك والآن عاينته عين اليقين فأراه الحق تعالى الكيفية ، أي كيفية الإحياء للموتى .